https://alwadiforasianstudies.com/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

صلاح حسن إبراهيم

 

” في عمق النظام العالمي الجديد، حيث لم تعد المدافع التقليدية والجيوش الجرارة هي المعيار الوحيد للقوة، تبرز جزيرة صغيرة في شرق آسيا كمركز ثقل يعيد تشكيل موازين القوى الدولية.

إننا نعيش اليوم تحولا تاريخيا مفصليا انتقلت فيه ساحات الصراع الإستراتيجي من حقول النفط والغاز في الشرق الأوسط إلى مختبرات “السيليكون” المعقمة. ولم يعد السؤال المطروح في أروقة السياسة الدولية يتعلق بمن يملك مصادر الطاقة فحسب، بل بمن يملك “العقل” الرقمي الذي يدير هذه الطاقة ويوجهها.

“وادي السيليكون” يمتلك القلم ويرسم المخطط الهندسي، لكن “درع السيليكون” هو الطرف الوحيد الذي يمتلك الآلة والمصنع القادر على التنفيذ

 

بين “الوادي” و”الدرع”.. مفارقة العصر

 

لفهم المشهد الحالي بتعقيداته، علينا أن ندرك المفارقة العجيبة التي تحكم التكنولوجيا العالمية. فبينما تخرج الابتكارات وتصاميم المعالجات العبقرية من “وادي السيليكون” (Silicon Valley) في كاليفورنيا، حيث تقبع عمالقة الشركات مثل “آبل” و”إنفيديا” و”كوالكوم”، فإن هذه الشركات تظل عاجزة تماما عن تحويل تصاميمها إلى واقع ملموس دون المرور عبر ما بات يعرف بـ”درع السيليكون” (Silicon Shield) في تايوان.

المعادلة بسيطة في ظاهرها لكنها مرعبة في دلالاتها: “وادي السيليكون” يمتلك القلم ويرسم المخطط الهندسي، لكن “درع السيليكون” هو الطرف الوحيد الذي يمتلك الآلة والمصنع القادر على التنفيذ.

 

هذا الاعتماد المتبادل خلق واقعا جيوسياسيا هشا، حيث أصبح أمن الاقتصاد الأميركي والغربي مرهونا بسلامة منشآت تبعد آلاف الأميال عن واشنطن، وتقع تحت مرمى نيران القوة الصينية الصاعدة.

تشير التقارير العالمية إلى أن شركة واحدة، وهي “تايوان لتصنيع أشباه الموصلات” (TSMC)، تستحوذ وحدها على ما يقارب 92% من القدرة التصنيعية العالمية للرقائق الأكثر تطورا (أقل من 10 نانومترات)

 

أكسجين القرن الحادي والعشرين

 

يخطئ من يظن أن الحديث عن “أشباه الموصلات” (Semiconductors) هو حديث تقني صرف يهم المهندسين فقط. فالواقع الاقتصادي يخبرنا بقصة مختلفة تماما؛ إذ باتت هذه الرقائق الدقيقة، التي لا يتجاوز حجم بعضها ظفر الإصبع، تمثل “النفط الجديد” أو بالأحرى “أكسجين” الاقتصاد الحديث.

فلا يمكن لسيارة حديثة أن تتحرك، ولا لصاروخ ذكي أن يصيب هدفه، ولا لمستشفى أن يشغل أجهزته، ولا حتى لشبكات الكهرباء أن تعمل دون هذه القطع السحرية.

لغة الأرقام هنا صادمة ومقلقة؛ إذ تشير التقارير الاقتصادية العالمية إلى أن شركة واحدة، وهي “تايوان لتصنيع أشباه الموصلات” (TSMC)، تستحوذ وحدها على ما يقارب 92% من القدرة التصنيعية العالمية للرقائق الأكثر تطورا (أقل من 10 نانومترات).

 

ويكفي أن نتذكر أزمة نقص الرقائق عام 2021، التي كبدت قطاع السيارات العالمي خسائر تجاوزت 210 مليارات دولار، لنعرف حجم الكارثة المحتملة. فهذا “الدرع” هو ما يحمي تايوان سياسيا، إذ إن العالم بأسره، بما فيه القوى العظمى، مُجبَر على حمايتها؛ لأن سقوطها يعني ركودا اقتصاديا عالميا وشللا تاما في سلاسل التوريد.

 

بينما تحاول العقوبات الغربية حرمان بكين من الوصول إلى آلات الطباعة الحجرية المتقدمة (EUV) التي تحتكرها شركة “ASML” الهولندية، فاجأت الصناعة الصينية العالم بمرونة مذهلة

 

واشنطن وبكين.. صراع على القمة

 

هذا الواقع فرض على الولايات المتحدة إستراتيجية “الذعر الاستباقي”. فإقرار “قانون الرقائق والعلوم” (CHIPS Act) وضخ مليارات الدولارات لتوطين هذه الصناعة في ولاية أريزونا ليسا سوى اعتراف ضمني بهشاشة الأمن القومي الأميركي المعتمد كليا على الخارج.

تدرك واشنطن أن التفوق العسكري والاقتصادي في العقود القادمة مرهون بالسيطرة على تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية، وكلاهما يعتمد بشكل وجودي على رقائق النانو المتطورة.

 

وعلى الضفة الأخرى من المحيط، يخوض التنين الصيني معركة وجودية. فبينما تحاول العقوبات الغربية حرمان بكين من الوصول إلى آلات الطباعة الحجرية المتقدمة (EUV) التي تحتكرها شركة “ASML” الهولندية، فاجأت الصناعة الصينية العالم بمرونة مذهلة.

 

كما أن نجاح شركة (SMIC) الصينية مؤخرا في إنتاج رقائق بدقة 7 نانومترات لهواتف هواوي- رغم الحظر التقني- يرسل رسالة سياسية واضحة: أن جدار الحصار التكنولوجي قد يؤخر الصين، ويرفع كلفة إنتاجها، لكنه لن يمنع صعودها نحو السيادة الرقمية.

السباق نحو “اللاشيء”

 

قد يتساءل القارئ غير المختص: لماذا كل هذا الصراع المحموم على بضعة “نانومترات”؟ الإجابة تكمن في الفيزياء والاقتصاد معا. الوصول إلى دقة 3 نانومترات و2 نانومتر يعني القدرة على حشر عشرات المليارات من الترانزستورات في مساحة مجهرية، ما يعني أجهزة أسرع، واستهلاكا أقل للطاقة، وقدرات معالجة بيانات تفوق الخيال.

تخيل أن فيروس كورونا يبلغ حجمه نحو 100 نانومتر؛ فالبشرية اليوم تصنع “بوابات منطقية” أصغر من الفيروس بعشرات المرات. هذه الدقة المتناهية هي التي ستحدد شكل حروب المستقبل، وكفاءة السيارات ذاتية القيادة، وقدرة الخوارزميات على تشخيص الأمراض قبل حدوثها.

بدأت التقارير الغربية ترصد ما يمكن تسميته بـ”سباق تسلح رقمي”، حيث قامت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بشراء آلاف الرقائق عالية الأداء (Nvidia H100) الضرورية لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي

 

الصحوة العربية.. سباق التسلح الرقمي

 

وسط هذا الضجيج العالمي وصليل سيوف التكنولوجيا، يبرز تساؤل ملح حول موقعنا في الشرق الأوسط: أنظل مجرد مستهلكين نهمين للتكنولوجيا، أم إن هناك محاولات جادة للخروج من “المقاعد الخلفية”؟

الحقيقة أن هناك حراكا إستراتيجيا لافتا بدأ يتشكل مؤخرا، وتحديدا في دول الخليج العربي. فقد بدأت التقارير الغربية ترصد ما يمكن تسميته بـ”سباق تسلح رقمي”، حيث قامت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بشراء آلاف الرقائق عالية الأداء (Nvidia H100) الضرورية لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي.

هذه الخطوات، المتزامنة مع إطلاق نماذج لغوية عربية ضخمة مثل “فالكون” (Falcon) في الإمارات، وجهود “سدايا” وجامعة “كاوست” في السعودية، تشير إلى وعي عميق بأن البيانات هي “نفط المستقبل”.

 

ومع ذلك يبقى التحدي الأكبر هو الانتقال من مرحلة “شراء القدرة الحسابية” وتشغيلها، إلى مرحلة “توطين الصناعة” ذاتها أو الدخول في شراكات لتصميم الرقائق. الطريق لا يزال طويلا، لكن البوصلة بدأت تتجه نحو الوجهة الصحيحة.

سيناريو الرعب المؤجل

 

رغم كل هذه التحركات، يبقى السيناريو الأسوأ هو الكابوس الذي يقض مضاجع الاقتصاديين: ماذا لو تحول “البارد” إلى “ساخن” في مضيق تايوان؟

تشير تقديرات الخبراء إلى أن أي عمل عسكري يعطل مصانع TSMC سيؤدي إلى ما يشبه “يوم القيامة الإلكتروني”. ستتوقف مصانع السيارات في ألمانيا، وتتجمد شركات التكنولوجيا في “وادي السيليكون”، وتصاب شبكات الاتصال العالمية بالشلل. إنه سيناريو سيجعل الأزمات المالية السابقة تبدو كنزهة بسيطة مقارنة به.

إن “حرب الرقائق” ليست مجرد منافسة تجارية بين شركات، بل هي صراع على هوية القرن الحادي والعشرين. ونحن كشعوب ومجتمعات، لسنا مجرد متفرجين، بل نحن جزء من نسيج هذا العالم الرقمي المترابط، وأي اهتزاز في خيوطه سيصل صداه حتما إلى جيوبنا وبيوتنا ومستقبل أبنائنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 + 15 =

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube